متحف «ياد فاشيم»: حكايات الهولوكوست التي وقعت في القدس!

الخبر بوست -  القدس العربي الاربعاء, 18 سبتمبر, 2019 - 01:48 صباحاً
متحف «ياد فاشيم»: حكايات الهولوكوست التي وقعت في القدس!

 

«هناك، كما تعلمون نوع من الشعور بالهدوء، أقول دائما للناس، عندما أفكر في الهولوكوست ومأساة الهولوكوست، وحقيقة أن أسلافي (الفلسطينيين) فقدوا أرضهم والبعض الآخر فقدوا حياتهم، فقد تم القضاء على كرامتهم ووجودهم بطرق عديدة، وكل هذا كان باسم محاولة إنشاء ملاذ آمن لليهود، بعد الهولوكوست». (النائبة الديمقراطية الأمريكية من أصل فلسطيني رشيدة طليب).

 

تهدف كل متاحف العالم على اختلاف أنواعها وموضوعاتها، إلى حماية الهوية الثقافية للبلد، أو المدينة التي تنتمي إليها، بأعمال فنية سواء على شكل صور كالأرشيف السينمائي الوطني، أو الأفلام التي صورت عن البلد أو المدينة، أو عن طريق لوحات تشكيلية أو قطع أثرية. وتقوم ثقافة المتاحف على التعريف بهذا المخزون الثقافي والفني، سواء لأبناء الوطن أو للأجانب، إلا متحف المحرقة في القدس المحتلة، أو «ياد فاشيم». فهو متحف لقيط، وليد عنصرية أوروبية لا علاقة

 

لنا بها كشرقيين، غريب عن بيئتنا الفلسطينية الشرقية المتسامحة والمنفتحة على الآخر بخطابها الديني أو الثقافي، تشوه التاريخ الكنعاني والعربي للمدينة المقدسة، بإدماجها بمذبحة أوروبية يندى لها جبين الإنسانية، ارتكبها النازيون بحق مواطنيهم الأوروبيين، وكأن العقل الصهيوني يحاول أن يرسخ في عقول زوار متحفهم المزعوم، أن المحرقة وقعت في فلسطين وليس في أوروبا.

 

وكان تأسيس هذا المتحف الغريب في جغرافيا التاريخ، سنة 1983 من طرف مفكري الصهيونية الأوروبية في غرب القدس الشريف، وحشوه بكل صور المحرقة الأوروبية، وكسب عطف الأمم الأخرى المحبة للسلام، عن طريق تكريم الصالحين من الأمم الذين عملوا على إنقاذ اليهود من المحرقة الأوروبية. ويخيل للزوار من رؤساء دول وشخصيات فكرية وفنية وعامة، أن المحرقة وقعت في فلسطين وليس في أوروبا!

 

النازي الفلسطيني!

 

يعود مفهوم الهولوكوست إلى الإبادة الجماعية من قبل النازية المنبوذة عالميا التي تتنافى مع كل القيم الدينية والإنسانية، وليس فقط معناه محرقة اليهود كما يستخدمها يهود العالم الآن. ولقد كان موقف المغرب الشجاع في عدم تسليم المواطنين المغاربة اليهود، إلى المذابح النازية من طرف العاهل المغربي محمد الخامس خير مثال.

 

أما ما تستغله الصهيونية من الهولوكوست فشيء ثان له مبرراته في قيام دولة إسرائيل. للعلم استهدفت النازية مجموعات عديدة من غير اليهود، على الرغم من عدم دقة الإحصائيات والأرقام إلا أنه بلغ عدد ضحايا ذوي الاحتياجات الخاصة في الهولوكوست إلى 270 ألف ضحية، وعدد ضحايا الشواذ جنسيًا إلى 15000، كما تقارب عدد البولونيين مع عدد ضحايا اليهود ووصل إلى ما يقرب من 2 مليون ضحية، كما وصل ضحايا أعضاء الاتحاد السوفييتي إلى ما يقرب من 3-2 مليون، لذا يعود الأمر عند الحديث عن الضحايا إلى أي تعريف يستخدمه التاريخ عن ذكر الهولوكوست، ما أن كان التعريف الخاص بالإبادة الجماعية لليهود، أو محرقة اليهود، أو الإبادة الجماعية من قبل النازية لكل ما يخالف أو يخرج عن النازية.

 

الأكذوبة الثانية هي أن الهولوكوست أكبر مذبحة جماعية في العالم، إلا أن التاريخ يكذب ذلك بجدارة، فكان عدد الهنود الحمر 80 مليونا، أبادت أمريكا منهم 60 مليونا، كما يقدر بعض المؤرخين أن عدد من قتلتهم أمريكا من سكان افريقيا أثناء أسرها كعبيد ونقلتهم إلى أمريكا قد يزيد على 100 مليون إنسان. فإن تقوم دولة إسرائيل على أرض فلسطينية كرد إلهي على الهولوكوست، فهذا هذيان وكذب على التاريخ، فالنازيون أوروبيون وليسوا فلسطينيين.

 

ياد فاشيم

 

تبلغ مساحة المكان حوالي 180 دونما ــ 44.5 فدان ــ ويحتوي على متحف تاريخ المحرقة، ومواقع تذكارية مثل النصب التذكاري للأطفال وقاعة الذكرى، ومتحف الفن، والمنحوتات، والمواقع التذكارية في الهواء الطلق مثل وادي المجتمعات، وكنيس، ومعهد للبحوث يضم محفوظات، ومكتبة، ودار نشر، ومركزا تعليميا ــ المدرسة الدولية/معهد دراسات المحرقة ــ متناسين مجازرهم بحق السكان الأصليين الفلسطينيين. وأن هذه الأرض المباركة لم تتعرف على طول تاريخها الكنعاني والعربي محرقة بحق الأبرياء، كالمحرقة الأوروبية في العهد النازي.

 

فاستغلال فكرة الهولوكوست كان من طرف الصهيونية للحصول على تعويضات مالية من أوروبا وأمريكا، بالإضافة إلى تسهيل الهجرة إلى إسرائيل قبل إعلانها دولة لليهود في ذلك الوقت تعويضًا للهولوكوست. وتم تعميم المحرقة اليهودية، دون سواها من مواطنيهم الأوروبيين في المناهج الدراسية للأطفال والشباب في المدارس والمعاهد الأوروبية والأمريكية، تبرر الوجود الصهيوني في فلسطين المحتلة.

 

أسطورة الهولوكوست

 

كما أن إنكار المحرقة محرم، تاريخيا ودينيا وإنسانيا، ولكن الصهاينة قدموا الهولوكوست باعتبارها حادثة فريدة غير زمنية مطلقة، وقد ‏فعلوا ذلك بأن نزعوها من سياقها التاريخي كي ننظر إليها من الداخل فقط، من منظور غربي وصهيوني حتى يمكنهم ‏توظيفها.

 

وهذا هو جوهر الرؤية التضليلية الصهيونية المزورة للتاريخ. ولذا فالطريقة العلمية الإنسانية الوحيدة أن ننظر لهذه الظاهرة من ‏الداخل ومن الخارج في الوقت نفسه، وذلك عن طريق وضعها في كل السياقات الممكنة. وقد وضع الفريد روزنبرغ، الزعيم ‏النازي، مفتاح الفهم بين أيدينا فوضع الفكر النازي في سياقه التاريخي الصحيح، ففي أثناء محاكمته في نورمبرغ صرّح ‏بأن نظرية التفاوت بــــين الأعراق هي جــــزء لا يتجـــزأ من الفكـــر الغربي.

 

فأشار إلى أنه تعــــرف لأول مرة على مصطلح ‏‏«الإنسان الأعلى» في كتاب عن الاستعماري الإنكليزي (كتشنر)، وأن مصطلح «الجنس المتفوق» أو «الجنس السيد» ‏مأخوذ من كتابات العالم الأمريكي الأنثروبولوجي ماديسون جرانت والعالم الفرنسي لابوج، وأن رؤيته العرقية هي ‏نتيجة أربعمئة عام من البحوث العلمية الغربية.

 

ومن المعروف تاريخياً أن هتلر تشرب كثيراً من آرائه من الدراسات ‏الإمبريالية/ العنصرية التي انتشرت في أوروبا آنذاك كالميكروب لتبرير المشروع الإمبريالي الغربي. والرؤية الصهيونية ‏الخاصة بالشعب اليهودي، باعتباره شعباً مختاراً أو شعباً له حقوق مطلقة تنبع من هذه الرؤية الغربية. ‏مع إضافة عدو وهمي جديد يعتبر من السمات الخاصة للسينما الصهيونية بعد إنشاء إسرائيل، وهو الادعاء بأن العرب المعاصرين يمثلون في عدائهم لإسرائيل الامتداد الطبيعي لألمانيا النازية في عدائها لليهود، وهي مقولة تحمل كما هو بديهي مغالطات عديدة، ابتداء من حقيقة أن النازيين كانوا ضد اليهود والعرب معا، أي حقيقة أن العرب إنما يدافعون عن أنفسهم ضد الغزو الصهيوني وإنهم المعتدى عليهم، وليسوا المعتدين، ولكن الفكر الصهيوني يرتكز على مجموعة من المغالطات التاريخية والسياسية.

 

وتبعا لذلك لا يكاد يمر أسبوع إلا ونرى حدثا أو فاعلية هدفها تكريم الناجين من المحرقة اليهودية، أو ندوة للتعريف بالهولوكوست، والظلم الذي تعرض له اليهود على يد هتلر، وكان أبرز حدث يتعلق بهذا الأمر هو زيارة البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، إلى القدس وزيارته لقبر ثيودور هيرتزل مؤسس الصهيونية، ثم زيارته لنصب (ياد فاشيم) للمحارق النازية (تحت رعاية منظمة ياد فاشم)، واجتماعه مع ستة من الناجين، حيث قبل يد كل واحد واستمع إلى قصص حياتهم.


تعليقات
اقراء ايضاً