وحوش نيتشه وتحذيرات هوبز.. كيف يعبر "الجوكر" عن عالمنا المعاصر؟

الخبر بوست -  متابعات السبت, 19 أكتوبر, 2019 - 01:25 صباحاً
وحوش نيتشه وتحذيرات هوبز.. كيف يعبر "الجوكر" عن عالمنا المعاصر؟

 

رغم ظهوره السينمائي كقاتل ومريض نفسي محرّض ومهرج عدمي، يحتفظ "الجوكر" من بين كل "الأشرار" بمكانة خاصة في الثقافة الشعبية ترسخت مع تكرار تمثيله سينمائيًّا. وبخلاف الأفلام الحديثة، يعود تاريخ "الجوكر" إلى جذور ضاربة في القدم في الميثولوجيا اليونانية القديمة.

 

ويثير ظهور الجوكر السينمائي مسألة جذور الشر وكيفية تفاعله في الحقيقة، وهي موضوع نقاش فلسفي قديم ومتجدد، ومع ذلك تدعو أفلام الجوكر -التي اعتبرتها الجماعات المتفوقة البيضاء في الولايات المتحدة أيقونة- إلى التشكيك في الخط الفاصل بين الواقع والخيال، خاصة مع إرباك قدرة المشاهد على التمييز. ويتساءل محللون هل تعكس هذه الأفلام ظروفا اجتماعية موجودة بالفعل أم تساعد في إنشائها؟ 

 

 

نيتشه والجوكر

 


وبخلاف استفزاز المشاهدين في قاعات السينما، يعد فيلم الجوكر "مستفزا ثقافيا" بحسب الأكاديمي في جامعة نوتردام الأسترالية آري ماتيس، فهو يسخر من النظام الاجتماعي ويخرّب التراتب الاجتماعي وتقويض السلطة بأفعاله الاستفزازية الهزلية، السادية والكوميدية في آن.

 

وفي كتابه "ما وراء الخير والشر" (1886)، يناقش الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه من أسماهم "وحوش الفريسة" التي تستمتع بالتحرر من أخلاق المجتمع وسيطرته، ويقول إنهم "يخرجون إلى الحياة البرية منفيين من السجن المتمثل في سلام المجتمع". وفيما يشبه التنبؤ المبكر أو حتى التبرير للجوكر، يشبّه نيتشه هؤلاء الناس بأنهم "مثل الوحوش المبتهجة التي ربما تقوم بأعمال مروعة مثل القتل العمد، والحرق، والاغتصاب، والتعذيب، مع شجاعة وتوازن الأخلاقي كما لو أن الأمر مجرد مزحة أو لعبة".

 

ويكاد صدى كلمات نيتشه يجد أثرا له في مقولات الجوكر الشهيرة في الأعمال السينمائية. فمثلا يقول الجوكر "هيث ليدجر" في أحد مشاهد فيلم باتمان "أخلاقهم؟! إنها مزحة سيئة تسقط في أول منعطف.. إنهم فقط جيدون طالما يَسمح العالم لهم بذلك". ويتابع "سترى في الأوقات العصيبة أن هؤلاء المتحضرين سيأكلون بعضهم بعضا".

 

لكنّ هناك فارقا كبيرا بين عالم نيتشه وفوضى الجوكر، فالفيلسوف الألماني يعتبر أن الفلاسفة الحقيقيين الجدد هم القادة وصانعو القانون وتظهر إرادتهم كإرادة القوة، إذ يحددون مسار البشرية وينحون أعمال الفلاسفة جانبًا باعتبارها جزءا من الماضي، وفي المقابل يبدو الجوكر عدميا بامتياز، فهو ينشد الدمار والفوضى بلا هدف، ويقول في فيلم باتمان إن "الطريقة الوحيدة المعقولة للعيش في هذا العالم هي من دون قواعد".

 

وبحسب الكاتب المتخصص في فلسفة السينما براين ريزر، فإن نظام الأخلاق المسيحي التقليدي الذي انتقده نيتشه في كتاباته يناظر قيم مجتمع غوثام التي يثور عليها الجوكر في أفلام السينما.

 

 

التنين ضد الفوضى

 


عاصر الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في القرن السابع عشر إضرابات الحرب الأهلية بين الملكيين والبرلمانيين بعد وفاة الملكة البريطانية، وشهد قيام جمهورية كرومويل ثم عودة الملكية التي دعمها وآمن بها كحل وحيد في مواجهة الفوضى و"الشر الإنساني"، واشتهر بمقولته "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان".

 

كان هوبز يرى الطبيعة البشرية شريرة في أصلها، وافترض أن عالم ما قبل الدولة هو حالة من "حرب الجميع ضد الجميع" نظرا لأن الإنسان يركض خلف مصالحه الخاصة فحسب، بينما الدولة القوية المطلقة (يسميها الجوكر "المخططين") وحدها هي التي تنهي الفوضى الوحشية وتحفظ استقرار المجتمع، وأطلق عليها هوبز "ليفياثان"، أي تنين البحر الأسطوري الذي يهيمن على الجميع. 

 

بالنسبة لهوبز كانت الحكومة القوية والدولة المطلقة والقانون الصارم ضرورات لا غنى عنها، في المقابل فإن الجوكر نقيض هذا النموذج تماما، أو يمثل كابوس هوبز كفوضوي وحشي يحرض على خلخلة النظام وزعزعة الاستقرار في محاولة لدفع المجتمع بأكمله باتجاه "الفوضى".

 

 

الفكاهة والشر والواقع

 


وجرى استكشاف العلاقة بين الفكاهة والشر في أعمال كثير من الفلاسفة، خاصة الفيلسوف الألماني الشديد التشاؤم آرثر شوبنهاور الذي يقول في كتابه "العالم إرادةً وتمثلا" إن الضحك يحدث نتيجة الافتقار إلى التجانس، أو حدوث التناقض بين المفاهيم العقلية المجردة وتمثلها الواقعي. وكذلك يرى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانتْ الذي يرجع الضحك إلى "التناقض بين ما كان متوقعا وما أصبح واقعا". وبالنسبة للجوكر، يبدو الأمر واضحا، فقد تعرض لصدمات عنيفة في حياته دفعته إلى استخدام الضحك كوسيلة للسخرية من الحياة كلها.

 

ومع ذلك تلقي الفلسفة والسينما بظلالها على الواقع، فقد أصبحت شخصية "المهرج" معتادة في الحياة المهنية والسياسية الحديثة بحسب مقال للأكاديمي الأسترالي ماتيس.

 

وفي أبريل/نيسان الماضي انتُخب الممثل الكوميدي فولوديمير زيلينسكي رئيسا لأوكرانيا، وأطلقت الصحافة على رئيس الوزراء البريطاني الجديد بوريس جونسون لقب "بوجو"، وهو لفظة لا تلمح فقط إلى اسمه، كما استمد الرئيس الأميركي بعض شعبيته من خلال السخرية والتهكم على طبقة النخبة.

 


تعليقات
اقراء ايضاً