هل يتآكل حلف السعودية والإمارات في اليمن؟

الأحد, 08 سبتمبر, 2019


بعد أكثر من أسبوع على وقوع مجزرة بحق الجيش اليمني، في أول اعتداء معلن ومباشر من جانب طيران التحالف على هذا الجيش، في 29 آب/ أغسطس المنصرم، أصدرت السعودية بياناً أضافت من خلاله المزيد من الغموض حول الموقف السعودي من الاعتداء الذي طال الجيش، وألقت الحكومة اليمنية باللائمة على الإمارات وافتتحت معها عهداً من المواجهة الشاملة السياسية والإعلامية.


السعودية خفضت في بيانها من تصنيف الانقلاب الذي نفذه المجلس الانتقالي وقواته في العاشر من آب/ أغسطس، ضد السلطة الشرعية، إلى مستوى "الفتنة"، وهو توصيف يتساوى معه الانتقالي مع السلطة الشرعية من حيث المسؤولية عن الحرب التي أفضت إلى هذا الانقلاب، وتطورت إلى حالة خطيرة من اختبار الإرادات أصبحت معها السلطة الشرعية وجهاً لوجه مع الإمارات؛ التي تعد المحرك الرئيس للمجلس الانتقالي ولمشروع انفصال الجنوب عن الدولة اليمنية.


في البيان السعودي مضامين يمكن وصفها بالإيجابية، فالبيان أكد استمرار "المملكة على موقفها الثابت من عدم وجود أي بديل عن الحكومة الشرعية، وعدم قبولها بأي محاولات لإيجاد واقع جديد في اليمن باستخدام القوة أو التهديد بها". لكن أخطر ما فيه أنه في الوقت الذي يظهر تشدداً سعودياً حيال ما جرى، فإنه يوظف هذا التشدد بذكاء لدفع السلطة الشرعية إلى الحوار مع الانتقالي، وحوار كهذا لا يعني سوى المزيد من إضعاف السلطة الشرعية، وتوجيه طعنة أخرى من شأنها أن تحدث نزيفاً هائلاً في صلاحياتها الدستورية، وفي نفوذها وولايتها على الأراضي اليمنية.


ومع ذلك لا يمكن الحديث عن اتساق في الموقف الإماراتي مع الأجندة السعودية في ما يخص الانقلاب الأخير بعدن، وما ترتب عليه من تمدد عسكري كان يهدف بشكل واضح إلى تجريف نفوذ السلطة الشرعية تماماً من المحافظات الجنوبية، مع تجريف النفوذ السعودي كذلك، إلى الحد الذي يدفع أكثر المراقبين اهتماماً بالعلاقات السعودية الإماراتية؛ إلى الاعتقاد بأن ثمة تآكلا واضحا في التحالف الذي يتشظى على ما يبدو إلى أجندات منفصلة؛ تعكس أكثر ما تعكس طموح القوة الإماراتية.


فاللافت في البيان السعودي أنه تزامن مع تحشيد هزيل دعا إليه المجلس الانتقالي في العاصمة السياسية المؤقتة، عدن، التي سيطر عليها بالكامل، عنوانه: الوفاء للإمارات، وفيه تجاهل الانتقالي السعودية، وغيّب أعلامها في مقابل حضور الإمارات وأعلامها ورموزها في تلك التظاهرة التي نظمت في مدينة المعلا وسط مقاطعة شبه تامة من معظم سكان مدينة عدن.


لقد عبر الانقلاب المدعوم من الإمارات على السلطة الشرعية عن مستوى خطير من التغول الإماراتي الذي استغل بشكل واضح ارتباك القرار السعودي، تحت وطأة الضربات التي يوجهها الحوثيون للعمق السعودي، إلى جانب الغضب الصامت الذي خلفه انسحاب الإمارات من المعركة الرئيسية ضدالانقلاب الحوثي، لفرض واقع جديد تكون الإمارات فيه صاحبة القرار الأهم فيه.


تمضي الإمارات في هذا الطريق مستندة إلى ما يمكن وصفه بأوهام القوة، بعد أن اعتقدت أن بوسعها الاعتماد على نحو تسعين ألف مقاتل أعدتهم ليكونوا الرافعة العسكرية لمشروع الانفصال؛ الذي تراه الإمارات خطوة ضرورية على طريق الهيمنة على الجنوب واقتطاع أجزاء استراتيجية مهمة منه، مثل محافظة أرخبيل سقطرى.


لكن كيف يمكن تفسير هذا الإصرار السعودي على عقد حوار جدة، وتجنيد الدبلوماسية السعودية في تسويق هذا الحوار ليصبح أحد العناوين البازرة للأزمة والحرب في اليمن، ومصطلحاً يتم تداوله بحماس في الخطاب السياسي والإعلامي للقوى الدولية وفي أروقة الأمم المتحدة، ويحظى بمباركة قوية من المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفث؟


في تقديري أن السعودية لا تظهر اعتراضاً على المنحى الذي تمضي فيه الإمارات، والهادف إلى فرض خيار التقسيم، ولكنها لا ترى ذلك مناسباً بالأسلوب الإماراتي الذي يتسم بالجرأة، بحيث لا تضع معها أي اعتبارٍ للسلطة الشرعية، ولا تكترث للظرف الدقيق الذي يكتنف التحركات الإماراتية نحو فرض الانفصال بالقوة العسكرية.


لذا، نجحت السعودية عبر تحركها الأخير الداعم للسلطة الشرعية في إعادة تحجيم النفوذ الإماراتي، عبر إنهاء تواجد قوات النخبة الشبوانية وإظهار مدى هشاشة هذه القوات التي كانت تنتشر في أجزء واسعة وحيوية من محافظة شبوة، وهي أولى المحافظات، إلى جانب محافظتي حضرموت والمهرة، التي تشكل منطقة نفوذ سعودية لا تقبل القسمة مع أي شريك آخر حتى لو كان الإمارات.


لكن السعودية أيضاً لم تكن متحمسة إلى أن يتطور التحرك العسكري للسلطة الشرعية ليصل إلى عدن، وينهي تماماً على الانقلاب الذي أدارته ومولته الإمارات.


وثمة معلومات شبه دقيقة تفيد بأن السعودية أظهرت غضباً كبيراً حيال تقدم القوات الحكومية باتجاه عدن، وقد تزايد هذا الغضب عندما لم يتمكن نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وهو الرجل الذي بات يتحكم بشكل كامل بالملف اليمني، من التواصل مع الرئيس هادي وإقناعه بضرورة التوقف عند حدود محافظة أبين، ليبقى حسم تواجد الانتقالي في عدن معقوداً على الحوار الذي دعت إليه حكومته في مدينة جدة.


وهذا يفسر كيف أن الطيران الإمارتي تمكن من توجيه ضربات قاسية للجيش اليمني، دون أن تكون هذه الضربات محل استهجان أو غضب من الجانب السعودي ولم يتم التطرق إليها في البيان السعودي الذي رحبت به الحكومة الشرعية بحماس، علماً بأن هذه الضربات تمت تحت إشراف غرفة العمليات الرئيسة للتحالف في مدينة الرياض.


ثمة سُحب سوداء تحلق في سماء العلاقة السعودية الإماراتية، وهو تطور تحول معه ضعف السلطة الشرعية إلى سبب من أسباب تنامي فرصها في استعادة النفوذ الذي كاد يتبدد تحت وقع التحولات الخطيرة في أجندة التحالف، من دحر الانقلاب إلى استهداف مكونات الشرعية، وتفكيك الدولة، بدافع الاستحواذ على الأرض وفرض النفوذ المباشر على أهم الأجزاء الحيوية من البلاد.

المزيد من ياسين التميمي