الحدود الداخلية 

الأحد, 06 أكتوبر, 2019

 شيئا فشيئا يصبح اليمن بلدا متخيلا لا يمكن العثور عليه على الأرض، أو لا تمكن رؤيته. فقد سقط أكبر بلدان الجزيرة العربية إلى ظلام دامس غطاه لخمسة أعوام حتى الآن، وسيخفيه عن العالم مستقبلا إذا ما بقيت "الشرعية" في القبضة السعودية. عندما قرر شقيقي، في الشهر الماضي، السفر إلى الهند استغرقت رحلته داخل اليمن 8 أيام حتى وجد مخرجا.


أُغلق البلد أمام العالم، وما من مخرج. ثمة حكومة في المنفى منفصلة عن أرضها ومجتمعها. اتخذت السعودية ومعها الإمارات، قرارا بإغلاق اليمن بناء على طلب من الرئيس هادي. ذلك الإغلاق هو جانب من عاصفة الحزم، أو هو الجزء الأهم بالنسبة للسعوديين. الذرائع التي يسوقونها، تلك التي كان ممكنا تفهمها في الأيام الأولى للحرب، فقدت أهليتها.


فالحوثيون يتزودون، بشكل مستمر، بأسلحة جديدة ونوعية. لم يحدث أن كشف التحالف مصدرا أو طريقا يزود الحوثيين بالأسلحة الجديدة. ثمة تقارير ومعلومات من عديد مصادر تتحدث عن صراع إماراتي ـ سعودي داخل الأراضي اليمنية. داخل تفاصيل ذلك الصراع وثغراته، تدّعي تلك البيانات، يحصل الحوثيون على أسلحة جديدة. هذه ليست كتابة للإيقاع بأحد الحليفين، فالتعالق بين البلدين على أكثر من صعيد وفي أكثر من مسرح دولي أكثر صلابة من صراعهما اليمني.


خمسة أعوام من العزلة اليمنية وما من إشارات على أن أحدهم سيرفع السواتر في القريب. تعثرت الحرب واستعادها الحوثيون، أو استعادوا معناها. بالقرب من الحدود السعودية، فقط هناك، تجري محاولات تحقيق اختراق عسكري في الأراضي الحوثية. السعودية معنية بإنجاز عمق آمن داخل الأراضي اليمنية التي أصبحت أرضا حوثية.


هذه الإستراتيجية لم تعُد معاصرة بالنظر إلى دخول الحوثيين زمن الطائرات المسيرة. إلا أن السعودية لا تزال تقاتل بالجيش اليمني بغية إنجاز عمق آمن يمنع وصول "المقذوفات الحوثية" إلى أراضيها. يزعم الحوثيون إن الضربات التي أصابت أهدافا سعودية تبعد 1700 كم عن صنعاء هي ضربات حوثية. 


من المستبعد أن يكون الحوثيون قد امتلكوا هذه القدرة، لكن بضعة مئات من الكيلومترات كافية للقول إن مسألة المقذوفات الحوثية باتت من الماضي، وأن حربا تستهدف تعطيل ذلك النوع القديم من المقذوفات هي حرب خارج سياقها.


اتخذت عدن عاصمة بديلة بعد طرد الحوثيين منها. أُريد لمثل هذا الإبدال أن يفتح جانبا من اليمن على العالم، أن يعمل المطار بكامل قدرته، تفتح خطوط الملاحة البحرية بين العاصمة البديلة والعالم، وأن تعود التمثيلات القنصلية الدولية لتيسير إجراءات السفر لليمنيين. أُجهز على كل ذلك، وشكل التحالف ميليشيات عسكرية معادية أغلقت المنافذ وطردت الرئيس وحكومته. بقيت اليمن في عزلتها، يبلغ حجم تلك العزلة 30 مليون نسمة. نحن بإزاء واحد من أكبر سجون التاريخ.


لا يتحدث هادي، الرئيس، عن هذه المشكلة. وهو موقف يدفعنا للقول إن الشرعية واحدة من أخطر "الكروت" التي يمتلكها الرجل، وقد باتت تلحق الضرر باليمنيين أكثر من أي شيء آخر. منح هادي ذلك الكارت، بالمجان، للمستخدم السعودي الذي راح يستعمله وفقا لحساباته. المعضلة اليمنية هي قرحة في الضمير الأخلاقي العالمي، وإذا تركت في الأدراج السعودية فإنها ستصبح مع الأيام أكثر من قرحة.


إن التجربة التي تعلمنها من النيران التي شبّت في أرامكو تقول إن الحرب اليمنية لن تبقى محصورة في جبال العربية السعيدة، وأن عالم اليوم المترابط والمتصل عرضة للتصدع لسبب صغير في مكان مجهول. فقد أدى مقتل رجل دين بوذي في أوروبا، قبل عشرة أعوام، إلى اهتزاز المجتمع الهندي وانزلاقه إلى مواجهات دينية عنيفة ضد نفسه. لن يكون اليمن مجتمعا فائضا عن الحاجة أو عاجزا عنها. سيدفع اليمنيون مشكلتهم، بطريقة أو أخرى، لتصبح أزمة عالمية. فإذا أريد لها أن تكون أفغانستان جديدة فستكون أفغانستان على البحر، كما تنبهت نيوز ويك قبل ثمانية أعوام.


لا تطير فوق سماء اليمن سوى المقاتلات، ويعتمد اليمن في 90% من احتياجاته على الاستيراد. لم يكن اليمن قبل الحرب جاهزا لأبسط الاهتزازات. فالنظام السابق  لم يعمل على بناء احتياطات للغلال أو الطاقة. بدلا عن ذلك بنى مخازن جبلية للصواريخ والذخيرة. لا طريق أمام اليمنيين إلى الهرب، فالبحر والسعودية يحيطون بالبلد من كل جانب. داخل نظام العزلة انهار الأمن الغذائي والصحي، وتفاقمت المشكلة النفسية على نحو غير مسبوق.


خمسة أعوام من الألغام والقنابل حولت اليمن إلى بقعة معتمة يعيش فيها ملايين  من البشر غير المرئيين. وفي الجوار، في السعودية، تعمل "هيئة الترفيه" على صناعة أعلى درجات الوَنس والبهجة. بقعتان متجاورتان، الظلام الدامس في العربية السعيدة، وقطاع اللذة النشط في الحجاز.  كما لو أن بقاء اليمن في ظلامها الدامس شرط جوهري لحياة قطاع اللذة في الدولة الجارة.


من منح السعودية والإمارات الحق في عزل بلد عن العالم؟ وهل هناك من مدى زمني لذلك الظلام، لتلك العزلة؟ ربما لم تخطر تلك الأسئلة على بال هادي. تبدو مطالبة السعودية برفع الحصار عملا عابثا، وربما كان من المناسب الآن أن تتأسس قوى يمنية واسعة عابرة للقطاعات والتكتلات تضع على عاتقها عزل هادي كخطوة أولى، وفتح الأبواب أمام اليمنيين كخطوة ثانية للخروج من هذا الظلام الدامس، ولاستعادة اليمن من العالم المتخيل إلى الحقيقة الدنيوية.

المزيد من مروان الغفوري

شبوة مباركة


السبت, 24 أغسطس, 2019

احتمالات الدولة والعاصفة


الثلاثاء, 09 يوليو, 2019